الجصاص
542
أحكام القرآن
دون دينك ولا تجعل دينك جنة دون مالك " . وروى سفيان عن عمرو عن أبي الشعثاء قال : " لم نجد زمن زياد شيئا أنفع لنا من الرشا " . فهذا الذي رخص فيه السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك العطايا الجزيلة ، أعطى العباس بن مرداس السلمي شيئا ، فسخطه فقال شعرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اقطعوا عنا لسانه " فزادوه حتى رضي . وأما الهدايا للأمراء والقضاة ، فإن محمد بن الحسن كرهها ، وإن لم يكن للمهدي خصم ولا حكومة عند الحاكم ، ذهب في ذلك إلى حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة ، فلما جاء قال : هذا لكم وهذا أهدي لي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما بال أقوام نستعملهم على ما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي ! فهلا جلس في بيت أبيه فنظر أيهدى له أم لا ! " وما روي عنه عليه السلام أنه قال : " هدايا الأمراء غلول وهدايا الأمراء سحت " . وكره عمر بن عبد العزيز قبول الهدية ، فقيل له : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها ، فقال : كانت حينئذ هدية وهي اليوم سحت . ولم يكره محمد للقاضي قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل القضاء ، فكأنه إنما كره منها ما أهدي له لأجل أنه قاض ولولا ذلك لم يهد له . وقد دل على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " هلا جلس في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم لا ! " فأخبر أنه إنما أهدي له لأنه عامل ، ولولا أنه عامل لم يهد له ، وأنه لا يحل له ، وأما من كان يهاديه قبل القضاء وقد علم أنه لم يهده إليه لأجل القضاء ، فجائز له قبوله على حسب ما كان يقبله قبل ذلك . وقد روي أن بنت ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة عمر ، فردها عمر ومنع قبولها . باب الحكم بين أهل الكتاب قال الله تعالى : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) ظاهر ذلك يقتضي معنيين ، أحدهما : تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم ، والثاني : التخيير بين الحكم والإعراض إذا ارتفعوا إلينا . وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم ، فقال قائلون منهم : " إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردهم إلى دينهم " . وقال آخرون : " التخيير منسوخ ، فمتى ارتفعوا إلينا حكمنا بينهم من غير تخيير " .